فخر الدين الرازي

167

تفسير الرازي

اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه ، محترزا عن مساخطه ، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف . فالنوع الأول : ما يتعلق بأموال اليتامى ، وهو هذه الآية ، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام ، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام ، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الاشفاق عليهم ، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال : * ( وآتوا اليتامى أموالهم ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم ، واليتم الانفراد ، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة ، وقيل : اليتم في الأناسي من قبل الآباء ، وفي البهائم من قبل الأمهات . قال : وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء ، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال ، فإذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره ، زال عنه هذا الاسم ، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يتيم أبي طالب ، إما على القياس ، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : " لا يتم بعد حلم " فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة ، يعني إذا احتلم فإنه لا تجرى عليه أحكام الصغار . وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب إليه : إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه ، وفي بعض الروايات : أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد ، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يؤنس منه الرشد ، ثم قال أبو بكر : واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تستأمر اليتيمة " وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة ، قال الشاعر : ان القبور تنكح الأيامى * النسوة الأرامل اليتامى فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير ، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير . المسألة الثانية : ههنا سؤال وهو أن يقال : كيف جمع اليتيم على يتامى ؟ واليتيم فعيل ، والفعيل يجمع على فعلى ، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى ، قال صاحب " الكشاف " : فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : جمع اليتيم يتمى ، ثم يجمع فعلى على فعالى ، كأسير وأسرى وأسارى ، والثاني : أن يقال : جمع يتيم يتائم ، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس ، ثم يقلب