فخر الدين الرازي

168

تفسير الرازي

اليتائم يتامى . قال القفال رحمه الله : ويجوز يتيم ويتامى ، كنديم وندامى ، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف . المسألة الثالثة : ههنا سؤال ثان : وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير ، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله إليه ، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماليه إليه لم يبق يتيما ، فكيف قال : * ( وآتوا اليتامى أموالهم ) * والجواب عنه على طريقين : الأول : أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة ، والثاني : أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وان كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى : * ( فألقى السحرة ساجدين ) * ( الأعراف : 120 ) أي الذين كانوا سحرة قبل السجود ، وأيضاً سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة ، بلوغ الاجل في قوله : * ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ) * ( الطلاق : 2 ) والمعنى مقاربة البلوغ ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى : * ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) * ( النساء : 6 ) والاشهاد لا يصح قبل البلوغ وانما يصح بعد البلوغ . الطريق الثاني : أن نقول : المراد باليتامى الصغار ، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان : أحدهما : ان قوله : * ( وآتوا ) * أمر ، والامر انما يتناول المستقبل ، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم ، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة . والثاني : المراد : وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم ، والفائدة فيه انه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا ، فأباح الله تعالى ذلك ، وفيه إشكال وهو انه لو كان المراد ذلك لقال : وآتوهم من أموالهم ، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك . المسألة الرابعة : نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : * ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وان تخالطوهم فإخوانكم ) * ( البقرة : 220 ) قال أبو بكر الرازي : وأظن أنه غلط من الراوي ، لان المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى ، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أنزل الله * ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) * ( البقرة : 152 ) و * ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ) * ( النساء : 10 ) ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فاشتد ذلك على اليتامى ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى شرابه ، * ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ) * فخلطوا عند ذلك طعامهم