فخر الدين الرازي

150

تفسير الرازي

المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والإضاعة عبارة عن ترك الإثابة فقوله : * ( لا أضيع ) * نفي للنفي فيكون اثباتا ، فيصير المعنى : اني أوصل ثواب جميع أعمالهم إليكم ، إذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا ، والدليل عليه أنه بايمانه استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما إليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال ، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله إلى العقاب وهو باطل بالاجماع ، أو يقدم العقاب ثم ينقله إلى الثواب وهو المطلوب . المسألة السادسة : جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الأعمال إليهم . فان قيل : القوم أولا طلبوا غفران الذنوب ، وثانيا إعطاء الثواب فقوله : * ( أني لا أضيع عمل عامل منكم ) * إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب ؟ قلنا : إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله : * ( أني لا أضيع عمل عامل منكم ) * إجابة لدعائهم في المطلوبين . وعندي في الآية وجه آخر : وهو أن المراد من قوله : * ( أني لا أضيع عمل عامل منكم ) * أني لا أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه . وأما قوله تعالى : * ( من ذكر أو أنثى ) * فالمعنى : أنه لا تفاوت في الإجابة وفي الثواب بين الذكر والأنثى إذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية ، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالاعمال ، لا بسائر صفات العاملين ، لان كون بعضهم ذكرا أو أنثى ، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب ، ومثله قوله تعالى : * ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوأ يجز به ) * ( النساء : 123 ) وروي أن أم سلمة قالت : يا رسول الله إني لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية . أما قوله تعالى : * ( بعضكم من بعض ) * ففيه وجوه : أحسنا أن يقال : * ( من ) * بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض ، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . قال القفال : هذا من قولهم : فلان مني أي على خلقي وسيرتي ، قال تعالى : * ( فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ) * ( البقرة : 249 ) وقال عليه الصلاة والسلام : " من غشنا فليس منا " وقال : " ليس منا من حمل علينا السلاح " فقوله : * ( بعضكم من بعض ) * أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه ؟