فخر الدين الرازي
151
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ) * والمراد من قوله : * ( الذين هاجروا ) * الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد من * ( الذين أخرجوا من ديارهم ) * الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج ، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لأنهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار ، فكانوا أفضل وقوله : * ( وأوذوا في سبيلي ) * أي من أجله وسببه * ( وقاتلوا وقتلوا ) * لان المقاتلة تكون قبل القتال ، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو * ( وقاتلوا ) * بالألف أولا * ( وقتلوا ) * مخففة ، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا ، وقرأ ابن كثير وابن عامر * ( وقاتلوا ) * أولا * ( وقتلوا ) * مشددة قيل : التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله : * ( مفتحة لهم الأبواب ) * ( ص : 50 ) وقيل : قطعوا عن الحسن ، وقرأ حمزة والكسائي * ( وقتلوا ) * بغير ألف أولا * ( وقاتلوا ) * بالألف بعده وفيه وجوه : الأول : أن الواو لا توجب الترتيب كما في قوله : * ( واسجدي واركعي ) * ( آل عمران : 43 ) والثاني : على قولهم : قتلنا ورب الكعبة ، إذا ظهرت أمارات القتل ، أو إذا قتل قومه وعشائره . والثالث : باضمار " قد " أي قتلوا وقد قاتلوا . ثم إن الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة : أولها : محو السيئات وغفران الذنوب وهو قوله : * ( لأكفرن عنهم سيئاتهم ) * وذلك هو الذي طلبوه بقولهم : * ( فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ) * ( آل عمران : 193 ) وثانيها إعطاء الثواب العظيم وهو قوله : * ( ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) * وهو الذي طلبوه بقولهم : وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وثالثها : أن يكون ذلك الثواب ثوابا عظيما مقرونا بالتعظيم والاجلال وهو قوله : * ( من عند الله ) * وهو الذي قالوه : * ( ولا تخزنا يوم القيامة ) * لأنه سبحانه هو العظيم الذي لا نهاية لعظمته ، وإذا قال السلطان العظيم لعبده : اني أخلع عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله : * ( ثوابا ) * مصدر مؤكد ، والتقدير : لأثيبنهم ثوابا من عند الله ، أي لأثيبنهم إثابة أو تثويبا من عند الله ، لان قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم . ثم قال : * ( والله عنده حسن الثواب ) * وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادرا على كل المقدورات ، عالما بكل المعلومات ، غنياً عن الحاجات ، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والاحسان ، فكان عنده حسن الثواب . روي عن جعفر الصادق أنه قال : من حزبه أمر فقال خمس مرات : ربنا ، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد ، وقرأ هذه الآية ، قال : لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات : ربنا ، ثم أخبر أنه استجاب لهم .