فخر الدين الرازي

13

تفسير الرازي

هم المنتفعون به ، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة ونظيره قوله تعالى : * ( إنما أنت منذر من يخشاها ) * ( النازعات : 45 ) * ( إنما تنذر مع من اتبع الذكر ) * ( يس : 11 ) * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * ( فاطر : 28 ) وقد تقدم تقريره في تفسير قوله : * ( هدى للمتقين ) * الثاني : أن قوله : * ( هذا بيان للناس ) * كلام عام ثم قوله : * ( وهدى وموعظة ) * للمتقين مخصوص بالمتقين ، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية ، ولا شك أن هذا المعنى لا يحصل إلا في حق المتقين والله أعلم بالصواب . * ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاَْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) * . اعلم أن الذي قدمه من قوله : * ( قد خلت من قبلكم سنن ) * ( آل عمران : 137 ) وقوله : هذا بيان للناس كالمقدمة لقوله : * ( ولا تهنوا ولا تحزنوا ) * ( آل عمران : 139 ) كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أن أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة ، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور ، وصارت دولة أهل الحق عالية ، وصولة أهل الباطل مندرسة ، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سبباً لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم ، بل يجب أن يقوى قلبكم فان الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم . ثم نقول قوله : * ( ولا تهنوا ) * أي لا تضعفوا عن الجهاد ، والوهن الضعف قال تعالى : حكاية عن زكريا عليه السلام * ( إني وهن العظم مني ) * وقوله : * ( ولا تحزنوا ) * أي على من قتل منكم أو جرح وقوله : * ( وأنتم الأعلون ) * فيه وجوه : الأول : أن حالكم أعلى من حالهم في القتل لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد ، وهو كقوله تعالى : * ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ) * ( آل عمران : 165 ) أو لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان ، أو لأن قتالهم للدين الباطل وقتالكم للدين الحق ، وكل ذلك يوجب كونكم أعلى حالا منهم . الثاني : أن يكون المراد وأنتم الأعلون بالحجة والتمسك بالدين والعاقبة الحميدة . الثالث : أن يكون المعنى وأنتم الأعلون من حيث أنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم وهذا شديد المناسبة لما قبله ، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن فهم كانوا محتاجين إلى ما يفيدهم قوة في القلب ، وفرحا في النفس ، فبشرهم الله تعالى بذلك ، فأما قوله : * ( ان كنتم مؤمنين ) * ففيه وجوه : الأول : وأنتم الأعلون ان بقيتم على إيمانكم ، والمقصود بيان أن الله تعالى إنما تكفل باعلاء درجتهم لأجل تمسكهم بدين الاسلام . الثاني : وأنتم الأعلون فكونوا مصدقين لهذه البشارة ان كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة . والثالث :