فخر الدين الرازي

14

تفسير الرازي

التقدير : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين ، فان الله تعالى وعد بنصرة هذا الدين ، فان كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه الواقعة لا تبقى بحالها ، وأن الدولة تصير للمسلمين والاستيلاء على العدو يحصل لهم . * ( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الاَْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) * . واعلم أن هذا من تمام قوله : * ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ) * ( آل عمران : 139 ) فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم ، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم * ( قرح ) * بضم القاف وكذلك قوله : * ( من بعد ما أصابهم القرح ) * ( آل عمران : 172 ) والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه : فالأول : معناهما واحد ، وهما لغتان : كالجهد والجهد ، والوجد والوجد ، والضعف والضعف . والثاني : أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد . والثالث : أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم . والرابع : وهو قول الفرار انه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة . والخامس : قال ابن مقسم : هما لغتان الا أن المفتوحة توهم انها جمع قرحة . المسألة الثانية : في الآية قولان : أحدهما : إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر ، وهو كقوله تعالى : * ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ) * ( آل عمران : 165 ) والثاني : أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل ، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل ، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار . فان قيل كيف قال : * ( قرح مثله ) * وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين ؟