فخر الدين الرازي

119

تفسير الرازي

الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين . وعن الشعبي أن رجلا ذكر عنه عثمان رضي الله عنه وحسن قتله ، فقال الشعبي : صرت شريكا في دمه ، ثم قرأ الشعبي * ( قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ) * ( آل عمران : 183 ) فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة . ثم قال تعالى : * ( ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة * ( سيكتب ) * على لفظ ما لم يسم فاعله * ( وقتلهم الأنبياء ) * برفع اللام * ( ويقول ذوقوا ) * بالياء المنقطة من تحت ، والباقون * ( سنكتب ونقول ) * بالنون . المسألة الثانية : المراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق عذاب الحريق ، كما أذقت المسلمين الغصص ، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى المؤلم . المسألة الثالثة : يحتمل أن يقال له هذا القول عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب ويحتمل أن يكون هذا كناية عن حصول الوعيد ، وإن لم يكن هناك قول : المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : إنهم أوردوا سؤالا وهو أن من يطلب المال من غيره كان فقيرا محتاجا ، فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيرا وذلك محال ، فوجب أن يقال : إنه لم يطلب المال من عبيده ، وذلك يقدح في كون محمد عليه الصلاة والسلام صادقا في ادعاء النبوة فهو هو شبهة القوم فأين الجواب عنها ؟ وكيف يحسن ذكر الوعيد على ذكرها قبل ذكر الجواب عنها ؟ فنقول : إذا فرعنا على قول أصحابنا من أهل السنة والجماعة قلنا : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا يبعد أن يأمر الله تعالى عبيده ببذل الأموال مع كونه تعالى أغنى الأغنياء . وإن فرعنا على قول المعتزلة في أنه تعالى يراعي المصالح لم يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد : منها : أن إنفاق المال يوجب زوال حب المال عن القلب ، وذلك من أعظم المنافع ، فإنه إذا مات فلو بقي في قلبه حب المال مع أنه ترك المال لكان ذلك سببا لتألم روحه بتلك المفارقة ، ومنها : أن يتوسل بذلك الانفاق إلى الثواب المخلد المؤبد ، ومنها : أن بسبب الانفاق يصير القلب فارغا عن حب ما سوى الله ، وبقدر ما يزول عن القلب حب غير الله فإنه يقوى في حب الله ، وذلك رأس السعادات ، وكل هذه الوجوه قد ذكرها الله في القرآن وبينها مراراً وأطوارا ، كما قال : * ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ) * ( الكهف : 46 ) وقال : * ( والآخرة خير وأبقى ) * ( الأعلى : 17 ) وقال : * ( ورضوان من الله أكبر ) * ( التوبة : 72 ) وقال : * ( فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) * ( يونس : 58 ) فلما تقدم ذكر هذه الوجوه على الاستقصاء كان إيراد هذه الشبهة بعد تقدم هذه البينات محض التعنت ، فلهذا اقتصر الله تعالى عند ذكرها على مجرد الوعيد .