فخر الدين الرازي

120

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد ذكر سببه فقال : * ( ذلك بما قدمت أيديكم ) * أي هذا العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله وأقدمتم على قتل الأنبياء ، فيكون هذا العقاب عدلا لا جورا . المسألة الثانية : قال الجبائي : الآية تدل على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم تلك الذنوب ، وفيه بطلان قول المجبرة : ان الله يعذب الأطفال بغير جرم ، ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب ، ويدل على كون العبد فاعلا ، وإلا لكان الظلم حاصلا . والجواب : ان ما ذكرتم معارض بمسألة الداعي ومسألة العلم على ما شرحناه مراراً وأطوارا . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : * ( وما ربك بظلام للعبيد ) * ( فصلت : 46 ) يفيد نفي كونه ظلاما ، ونفي الصفة يوهم بقاء الأصل ، فهذا يقتضي ثبوت أصل الظلم . أجاب القاضي عنه بأن العذاب الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما ، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا ، وهذا يؤكد ما ذكرنا أن إيصال العقاب إليهم يكون ظلما لو لم يكونوا مذنبين . المسألة الرابعة : اعلم أن ذكر الأيدي على سبيل المجاز ، لأن الفاعل هو الانسان لا اليد ، إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل إليها على سبيل المجاز ، ثم في هذه الآية ذكر اليد بلفظ الجمع فقال : * ( بما قدمت أيديكم ) * وفي آية أخرى ذكر بلفظ التثنية فقال : * ( ذلك بما قدمت يداك ) * ( الحج : 10 ) والكل حسن متعارف في اللغة . * ( الَّذِينَ قَالُو اِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى باِلْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . قوله تعالى : * ( الذين قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين ) * . اعلم أن هذه هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته صلى الله عليه وسلم ، وتقريرها أنهم قالوا : ان الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، وأنت يا محمد ما فعلت ذلك