فخر الدين الرازي

106

تفسير الرازي

الأمور وأعظمها ، ومثل هذا مما لا يقدم الانسان فيه على الفعل أو على الترك إلا بعد إمعان النظر وكثرة الفكر ، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات ، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة حماقتهم ، فأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل إليهم . وثالثها : ان أكثرهم إنما ينازعونك في الدين ، لا بناء على الشبهات ، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا ، ومن كان عقله هذا القدر ، وهو أنه يبيع بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة كان في غاية الحماقة ، ومثله لا يقدر في إلحاق الضرر بالغير ، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية والله أعلم بمراده . * ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاَِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) * . اعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إنما ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل المسلمون يوم أحد ، والله تعالى بين أن أقوال هؤلاء الشياطين لا يقبلها المؤمن ولا يلتفت إليها ، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله ، ثم بين في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد ، لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة ، وقتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل . فهذا بيان وجه النظم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( ولا تحسبن الذين كفروا ) * * ( ولا تحسبن الذين يبخلون ) * ( آل عمران : 18 ) * ( لا تحسبن الذين يفرحون . فلا تحسبنهم ) * ( آل عمران : 188 ) في الأربعة بالتاء وضم الباء في قوله : * ( تحسبنهم ) * وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله : * ( فلا تحسبنهم ) * فإنه بالتاء ، وقرأ حمزة كلها بالتاء ، واختلاف القراء في فتح السين وكسرها قدمناه في سورة البقرة ، أما الذين قرأوا بالياء المنقطة من تحت : فقوله : * ( يحسبن ) * فعل ، وقوله : * ( الذين كفروا ) * فاعل يقتضي مفعولين أو مفعولا يسد مسد مفعولين نحو حسبت ، وقوله : حسبت أن زيدا منطلق ، وحسبت أن يقوم عمرو ، فقوله في الآية : * ( إنما نملي