فخر الدين الرازي
107
تفسير الرازي
لهم خير لأنفسهم ) * يسد مسد المفعولين ، ونظيره قوله تعالى : * ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون ) * ( الفرقان : 44 ) وأما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فأحسن ما قيل فيه ما ذكره الزجاج ، وهو أن * ( الذين كفروا ) * نصب بأنه المفعول الأول ، و * ( أنما نملي لهم ) * بدل عنه . و * ( خير لأنفسهم ) * هو المفعول الثاني والتقدير : ولا تحسبن يا محمد إملاء الذين كفروا خيرا لهم . ومثله مما جعل " أن " مع الفعل بدلا من المفعول قوله تعالى : * ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) * ( الأنفال : 7 ) فقوله : * ( أنها لكم ) * بدل من إحدى الطائفتين . المسألة الثانية : " ما " في قوله : * ( أنما ) * يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون بمعنى الذي فيكون التقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن الذين نمليه خير لأنفسهم ، وحذف الهاء من " نملي " لأنه يجوز حذف الهاء من صلة الذي كقولك : الذي رأيت زيد ، والآخر : أن يقال : " ما " مع ما بعدها في تقدير المصدر ، والتقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن إملائي لهم خير . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " : " ما " مصدرية وإذا كان كذلك فكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان متصلة ، واتباع خط المصاحف لذلك المصحف واجب ، وأما في قوله : * ( إنما نملي لهم ) * فههنا يجب أن تكون متصلة لأنها كافة بخلاف الأولى . المسألة الرابعة : معنى " نملي " نطيل ونؤخر ، والاملاء الامهال والتأخير ، قال الواحدي رحمه الله : واشتقاقه من الملوة وهي المدة من الزمان ، يقال : ملوت من الدهر ملوة وملوة وملاوة وملاوة بمعنى واحد ، قال الأصمعي : يقال : أملى عليه الزمان أي طال ، وأملى له أي طول له وأمهله ، قال أبو عبيدة : ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة والملوان الليل والنهار . المسألة الخامسة : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه : الأول : أن هذا الاملاء عبارة عن إطالة المدة ، وهي لا شك أنها من فعل الله تعالى ، والآية نص في بيان أن هذا الاملاء ليس بخير ، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر . الثاني : أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الاملاء هو أن يزدادوا الاثم والبغي والعدوان ، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بإرادة الله ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : * ( ولهم عذاب مهين ) * أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين . الثالث : أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الاملاء ، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان ، والاتيان بخلاف مخبر الله تعالى مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الاملاء على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم . قالت المعتزلة :