فخر الدين الرازي
105
تفسير الرازي
واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أنه عدول عن الظاهر ، والثاني : بتقدير أن يكون الأمر كما قال ، لكن الاتيان بضد ما أخبر الله عنه وحكم به محال فيعود الاشكال . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الإرادة لا تتعلق بالعدم ، وقال أصحابنا ذلك جائز ، والآية دالة على قول أصحابنا لأنه قال : * ( يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة ) * فبين أن إرادته متعلقة بهذا العدم . قالت المعتزلة : المعنى أنه تعالى ما أراد ذلك كما قال : * ( ولا يريد بكم العسر ) * ( البقرة : 185 ) قلنا : هذا عدول عن الظاهر . المسألة الثالثة : الآية تدل على أن النكرة في موضع النفي تعم ، إذ لو لم يحصل العموم لم يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ثم قال : * ( ولهم عذاب عظيم ) * وهذا كلام مبتدأ والمعنى أنه كما لاحظ لهم البتة من منافع الآخرة فلهم الحظ العظيم من مضار الآخرة . * ( إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * . اعلم أنا لو حملنا الآية الأولى على المنافقين واليهود ، وحملنا هذه الآية على المرتدين لا يبعد أيضا حمل الآية الأولى على المرتدين ، وحمل هذه الآية على اليهود ، ومعنى اشتراء الكفر بالايمان منهم ، أنهم كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على أعدائهم ، فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه ، فكأنهم أعطوا الايمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه ، ولا يبعد أيضا حمل هذه الآية على المنافقين ، وذلك لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الايمان ، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا وتركوا الايمان ، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالايمان . واعلم أنه تعالى . قال في الآية الأولى : * ( ان الذين يسارعون في الكفر لن يضروا الله شيئا ) * ( آل عمران : 176 ) وقال في هذه الآية : * ( ان الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله شيئا ) * والفائدة في هذا التكرار أمور : أحدها : أن الذين اشتروا الكفر بالايمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا ، ثم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك ، وهذا يدل على شدة الاضطراب وضعف الرأي وقلة الثبات ، ومثل هذا الانسان لا خوف منه ولا هيبة له ولا قدرة له البتة على الحاق الضرر بالغير . وثانيها : أن أمر الدين أهم