فخر الدين الرازي
58
تفسير الرازي
والتوراة ، والإنجيل رسولاً إلى بني إسرائيل ، قائلاً : أني قد جئتكم بآية . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان رسولاً إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين منهم . المسألة الثالثة : المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا أنواعاً من الآيات ، وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله * ( قد جئتكم بآية من ربكم ) * الجنس لا الفرد . ثم قال : * ( أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ) * . اعلم أنه تعالى حكى ههنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام : النوع الأول ما ذكره ههنا في هذه الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة * ( أني ) * بفتح الهمزة ، وقرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح * ( أني ) * فقد جعلها بدلاً من آية كأنه قال : وجئتكم بأني أخلق لكم من الطين ، ومن كسر فله وجهان أحدهما : الاستئناف وقطع الكلام مما قبله والثاني : أنه فسّر الآية بقوله * ( أنى أخلق لكم ) * ويجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال الله تعالى : * ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * ( الفتح : 29 ) ثم فسّر الموعود بقوله * ( لهم مغفرة ) * وقال : * ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) * ( آل عمران : 59 ) ثم فسّر المثل بقوله . * ( خلقه من تراب ) * ( آل عمران : 59 ) وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح * ( أني ) * على جعله بدلاً من آية . المسألة الثانية : * ( أخلق لكم من الطين ) * أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى : * ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) * ( البقرة : 21 ) إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضاً فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد ، أما القرآن فآيات أحدها : قوله تعالى : * ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) * ( المؤمنون : 14 ) أي المقدرين ، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقاً بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقاً بالتقدير والتسوية وثانيها : أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء * ( إن هذا إلا خلق الأولين ) * ( الشعراء : 137 ) وفي العنكبوت * ( وتخلقون إفكاً ) * ( العنكبوت : 17 ) وفي سورة ص * ( إن هذا إلا اختلاق ) * والكاذب إنما سمي خالقاً لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره وثالثها : هذه الآية