فخر الدين الرازي
59
تفسير الرازي
التي نحن في تفسيرها وهي قوله * ( أني أخلق لكم من الطين ) * أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة * ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) * ( المائدة : 110 ) وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ورابعها : قوله تعالى : * ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) * ( البقرة : 29 ) وقوله * ( خلق ) * إشارة إلى الماضي ، فلو حملنا قوله * ( خلق ) * على الإيجاد والإبداع ، لكان المعنى : أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي ، وذلك باطل بالاتفاق ، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض ، وأما الشعر فقوله : ولأنت تفري ما خلقت * وبعض القوم يخلق ثم لا يفري وقوله : ولا يعطي بأيدي الخالق ولا * أيدي الخوالق إلا جيد الأدم وأما الاستشهاد : فهو أنه يقال : خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير ، وفلان خليق بكذا ، أي له هذا المقدار من الاستحقاق ، والصخرة الخلقاء الملساء ، لأن الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في لفظ * ( الخالق ) * قال أبو عبد الله البصري : إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة ، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال ، وقال أصحابنا : الخالق ، ليس إلا الله ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : * ( الله خالق كل شيء ) * ( الرعد : 16 ) ومنهم من احتج بقوله * ( هل من خالق غير الله يرزقكم ) * ( فاطر : 3 ) وهذا ضعيف ، لأنه تعالى قال : * ( هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء ) * ( فاطر : 3 ) فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقاً من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه ، ليس إلا الله ، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله . وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالاً في حق الله تعالى فالعلم ثابت . إذا عرفت هذا فنقول : * ( أني أخلق لكم من الطين ) * معناه : أصور وأقدر وقوله * ( كهيئة الطير ) * فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله * ( فأنفخ فيه ) * أي في ذلك الطين المصور وقوله * ( فيكون طيراً بإذن الله ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع * ( فيكون طائراً ) * بالألف على الواحد ، والباقون * ( طيراً ) * على الجمع ، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع . يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة ، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طيناً وصوره ، ثم نفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، قال وهب :