فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

الاستقراء العام في اللغة وأنه غير جائز ، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع . المسألة الثانية : * ( مالك الملك ) * في نصبه وجهان الأول : وهو قول سيبويه أنه منصوب على النداء ، وكذلك قوله * ( قل اللّهم فاطر السماوات والأرض ) * ( الزمر : 46 ) ولا يجوز أن يكون نعتاً لقوله * ( اللّهم ) * لأن قولنا * ( اللّهم ) * مجموع الاسم والحرف ، وهذا المجموع لا يمكن وصفه والثاني : وهو قول المبرد والزجاج أن * ( مالك ) * وصف للمنادى المفرد ، لأن هذا الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه * ( يا ) * ولا يمتنع الصفة مع الميم ، كما لا يمتنع مع الياء . المسألة الثالثة : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم ، فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ، وهم أعز وأمنع من ذلك ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما خط الخندق عام الأحزاب ، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً ، وأخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخبره ، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضرب صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم ، فكبّر وكبر المسلمون ، وقال عليه الصلاة والسلام : " أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب " ثم ضرب الثانية ، فقال : " أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم " ثم ضرب الثالثة فقال : " أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا " فقال المنافقون : ألا تعجبون من نبيّكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومداين كسرى ، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم ، وقال الحسن إن الله تعالى أمر نبيّه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما ، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء ، وهكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم . المسألة الرابعة : * ( الملك ) * هو القدرة ، والمالك هو القادر ، فقوله * ( مالك الملك ) * معناه القادر على القدرة ، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ، ويملك كل مالك مملوكه ، قال صاحب " الكشاف " * ( مالك الملك ) * أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون ، واعلم أنه تعالى لما بيّن كونه * ( مالك الملك ) * على الإطلاق ، فصل بعد ذلك وذكر أنواعاً خمسة : النوع الأول : قوله تعالى : * ( تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) * وذكروا فيه