فخر الدين الرازي

5

تفسير الرازي

وجوهاً الأول : المراد منه : ملك النبوّة والرسالة ، كما قال تعالى : * ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ) * ( النساء : 54 ) والنبوّة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر ، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم ، وأن يعتقد أنه هو الحق ، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل ، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشراً رسولاً فحكى الله عنهم قولهم * ( أبعث الله بشراً رسولاً ) * ( الإسراء : 94 ) وقال الله تعالى : * ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ) * ( الأنعام : 9 ) وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل رسولاً من البشر ، إلا أنهم كانوا يقولون : إن محمداً فقير يتيم ، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا * ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) * ( الزخرف : 31 ) وأما اليهود فكانوا يقولون النبوّة كانت في آبائنا وأسلافنا ، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوّة والكتاب فكيف يليق النبوّة بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوّة ، على ما حكى الله ذلك عنهم في قوله * ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) * ( النساء : 37 ) . وأيضاً فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : * ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ) * ( آل عمران : 12 ) أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم ، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء ، فقال * ( تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) * . فإن قيل : فإذا حملتم قوله * ( تؤتي الملك من تشاء ) * على إيتاء ملك النبوّة ، وجب أن تحملوا قوله * ( وتنزع الملك ممن تشاء ) * على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبياً ، ومعلوم أن ذلك لا يجوز . قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن الله تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل ، فإذا أخرجها الله من نسله ، وشرَّف بها إنساناً آخر من غير ذلك النسل ، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم ، واليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لا بد وأن تكون في بني إسرائيل ، فلما شرف الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بها ، صح أن يقال : إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب . والجواب الثاني : أن يكون المراد من قوله * ( وتنزع الملك ممن تشاء ) * أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه ، ونظيره قوله تعالى : * ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) * ( البقرة : 257 ) مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط ، وقال الله تعالى مخبراً عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام * ( أو لتعودن في ملتنا ) * ( الأعراف : 88 ) وأولئك الأنبياء