فخر الدين الرازي

26

تفسير الرازي

قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في موضع * ( إذ ) * من الإعراب أقوال الأول : قال أبو عبيدة : إنها زائدة لغواً ، والمعنى : قالت امرأة عمران ، ولا موضع لها من الإعراب ، قال الزجاج : لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً ، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب الله تعالى ، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة والثاني : قال الأخفش والمبرد : التقدير أذكر * ( إذ قالت امرأة عمران ) * ومثله في كتاب الله تعالى كثير الثالث : قال الزجاج ، التقدير : واصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران ، وطعن ابن الأنباري فيه وقال : إن الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح ، ولما كان اصطفاؤه تعالى آدم ونوحاً قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال : إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهر عند وجوده ، وظهور طاعاته ، فجاز أن يقال : إن الله اصطفى آدم عند وجوده ، ونوحاً عند وجوده ، وآل عمران عندما قالت امرأة عمران هذا الكلام الرابع : قال بعضهم : هذا متعلق بما قبله ، والتقدير : والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران هذا القول . فإن قيل : إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول ، فما معنى هذا التقييد ؟ قلنا : إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات . المسألة الثانية : أن زكريا بن أذن ، وعمران بن ماثان ، كانا في عصر واحد ، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم ، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة ، ثم في كيفية هذا النذر روايات : الرواية الأولى : قال عكرمة . إنها كانت عاقراً لا تلد ، وكانت تغبط النساء بالأولاد ، ثم قالت : ( اللّهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته ) . والرواية الثانية : قال محمد بن إسحاق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت ، وكانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له فتحركت نفسها للولد ، فدعت ربها أن يهب لها ولداً فحملت بمريم ، وهلك عمران ، فلما عرفت جعلته لله محرراً ، أي خادماً للمسجد ، قال الحسن البصري : إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي ، وكما ألهم الله أم موسى فقذفته في اليم وليس بوحي .