فخر الدين الرازي

27

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : المحرر الذي جعل حراً خالصاً ، يقال : حررت العبد إذا خلصته عن الرق ، وحررت الكتاب إذا أصلحته ، وخلصته فلم تبق فيه شيئاً من وجوه الغلط ، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه تعلق ، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصاً للعبادة عن الشعبي ، وقيل : خادماً للبيعة ، وقيل : عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله ، وقيل : خادماً لمن يدرس الكتاب ، ويعلم في البيع ، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفاً على طاعة الله ، قال الأصم : لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي ، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا ، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين ، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى ، وقيل : كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير بين المقام والذهاب ، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار ، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس . المسألة الرابعة : هذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض ، والأذى ، ثم إن حنة نذرت مطلقاً إما لأنها بنت الأمر على التقدير ، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر . المسألة الخامسة : في انتصاب قوله * ( محرراً ) * وجهان الأول : أنه نصب على الحال من * ( ما ) * وتقديره : نذرت لك الذي في بطني محرراً والثاني : وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً . ثم قال الله تعالى حاكياً عنها : * ( فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ) * التقبل : أخذ الشيء على الرضا ، قال الواحدي : وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء ، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته ، ثم قالت * ( إنك أنت السميع العليم ) * والمعنى : أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي ، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي . واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا ، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام . قال تعالى : * ( فلما وضعتها ) * واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائداً إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالماً بأنها كانت أنثى أو يقال : إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال : عادت إلى المنذورة . ثم قال تعالى : * ( قالت رب إني وضعتها أنثى ) * واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها ، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها ، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون