فخر الدين الرازي
219
تفسير الرازي
رأى صدراً خارجاً قال له تأخر ، وكان نزوله في جانب الوادي ، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وأمر عبد الله بن جبير على الرماة ، وقال : ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا ، وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : أثبتوا في هذا المقام ، فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار ، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام ، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما خالف رأى عبد الله بن أبي شق عليه ذلك ، وقال : أطاع الولدان وعصاني ، ثم قال لأصحابه : إن محمداً إنما يظفر بعدوه بكم ، وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا ، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعوكم ، فيصير الأمر على خلاف ما قاله محمد عليه السلام ، فلما التقى الفريقان انهزم عبد الله بالمنافقين ، وكان جملة عسكر المسلمين ألفاً ، فانهزم عبد الله بن أُبي مع ثلاثمائة ، فبقيت سبعمائة ، ثم قواهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين ، فلما رأى المؤمنون انهزام القوم ، وكان الله تعالى بشرهم بذلك ، طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر ، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع ، وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أراهم ما يحبون ، فأراد الله تعالى أن يفطمهم عن هذا الفعل لئلا يقدموا على مخالفة الرسول عليه السلام وليعلموا أن ظفرهم إنما حصل يوم بدو ببركة طاعتهم لله ولرسوله ، ومتى تركهم الله مع عدوهم لم يقوموا لهم فنزع الله الرعب من قلوب المشركين ، فكثر عليهم المشركون وتفرق العسكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : * ( إذا تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ) * ( آل عمران : 153 ) وشج وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه ، ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وسعد ، ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قد قتل ، وكان رجل يكنى أبا سفيان من الأنصار نادى الأنصار وقال : هذا رسول الله ، فرجع إليه المهاجرون والأنصار ، وكان قتل منهم سبعون وكثر فيهم الجراح ، فقال صلى الله عليه وسلم : " رحم الله رجلاً ذب عن إخوانه " وشد على المشركين بمن معه حتى كشفهم عن القتلى والجرحى والله أعلم . والمقصود من القصة أن الكفار كانوا ثلاثة آلاف المسلمون كانوا ألفا وأقل ، ثم رجع عبد الله بن أبي معم ثلاثمائة بن أصحابه فبقى الرسول صلى الله عليه وسلم مع سبعمائة ، فأعانهم الله حتى هزموا الكفار ، ثم لما خالفوا أمر الرسول واشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الامر عليهم وانهزموا ووقع ما وقع ، وكل ذلك يؤكد قوله تعالى ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ) وأن المقبل من أعانه الله ، والمدبر من خذله الله . ( المسألة الرابعة ) يقال : بوأته منزلا ، وبوأت له منزلا . أي أنزلته فيه ، والمباءة والباءة المنزل