فخر الدين الرازي

220

تفسير الرازي

وقوله ( مقاعد للقتال ) أي مواطن ومواضع ، وقد اتسعوا في استعمال المقعد والمقام بمعنى المكان ، ومنه قوله تعالى ( في مقعد صدق ) وقال ( قبل أن تقوم من مقامك ) أي من مجلسك وموضع حكمك وإنما عبر عن الأمكنة ههنا بالمقاعد لوجهين : الأول : وهو أنه عليه السلام أمرهم أن يثبتوا في مقاعدهم وأن لا ينتقلوا عنها ، والقاعد في المكان لا ينتقل عنه فسمى تلك الأمكنة بالمقاعد ، تنبيها على أنهم مأمورون بأن يثبتوا فيها ولا ينتقلوا عنها البتة . والثاني : أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو فيقوموا عند الحاجة إلى المحاربة ، فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد لهذا الوجه . ( المسألة الخامسة ) قوله ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) يروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد ، وهذا قول مجاهد والواقدي ، فدل هذا النص على أن عائشة رضي الله عنها كانت أهلا للنبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى ( الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ) فدل هذا النص على أنها كانت مطهرة مبرأة عن كل قبيح ، ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافرا قال ( إنه ليس من أهلك ) وكذلك امرأة لوط . ثم قال تعالى ( والله سميع عليم ) أسميع لأقوالكم عليم بضمائركم ونياتكم ، فانا ذكرنا أنه عليه السلام شاور أصحابه في ذلك الحرب ، فمنهم من قال له : أقم بالمدينة ، ومنهم من قال : اخرج إليهم ، وكان لكل أحد غرض آخر فيما يقول ، فمن موافق ، ومن مخالف ، فقال تعالى : أنا سميع لما يقولون عليهم بما يضررون . ثم قال تعالى ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) وفيه مسائل : ( المسألة الأولى ) العامل في قوله ( ( إذ همت طائفتان منكم ) فيه وجوه : الأول : قال الزجاج : العامل فيه لتبوئة ، والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت ، الثاني : العامل فيه قوله ( سميع عليم ) الثالث : يجوز أن يكون بدلا من ( إذ غدوت ) ( المسألة الثانية ) الطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس لما انهزم عبد الله بن أبي همت الطائفتان باتباعه ، فعصمهم الله ، فثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم . ومن العلماء من قال : ان الله تعالى أبهم ذكرهما وستر عليهما ، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر ( المسألة الثالثة ) الفشل ، الجبن والخور . فان قيل : لهم بالشئ هو العزم ، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية فكيف يليق بهما أن يقال والله وليهما ؟