فخر الدين الرازي
215
تفسير الرازي
والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور ، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول وأن لا تكون أما الأول : فالتقدير : أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا وقل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم ، وهو مضمرات الصدور ، فلا تظنوا أن شيئاً من أسراركم يخفى عليه أما الثاني : وهو أن لا يكون داخلاً في المقول فمعناه : قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون ، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك ، وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون ، ثم قول وأن يكون قوله * ( قل موتوا بغيظكم ) * أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظاً بإعزاز الإسلام وإذلالهم به ، كأنه قيل : حدث نفسك بذلك والله تعالى أعلم . قوله تعالى * ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) * . واعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين ، فبيّن تعالى أنهم مع ما لهم من الصفات الذميمة والأفعال القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة والبلاء بالمؤمنين ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء ( ماساً ) على سبيل التشبيه فيقال : فلان مسّه التعب والنصب ، قال تعالى : * ( وما مسنا من لغوب ) * ( ق : 38 ) وقال : * ( وإذا مسّكم الضر في البحر ) * ( الإسراء : 67 ) قال صاحب " الكشاف " : المس ههنا بمعنى الإصابة ، قال تعالى : * ( إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ) * ( التوبة : 50 ) وقوله * ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) * ( النساء : 79 ) وقال : * ( إذا مسّه الشر جزوعاً * وإذا مسّه الخير منوعاً ) * ( المعارج : 20 ، 21 ) . المسألة الثانية : المراد من الحسنة ههنا منفعة الدنيا على اختلاف أحوالها ، فمنها صحة البدن وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة والألفة بين الأحباب