فخر الدين الرازي

216

تفسير الرازي

والمراد بالسيئة أضدادها ، وهي المرض والفقر والهزيمة والانهزام من العدو وحصول التفرق بين الأقارب ، والقتل والنهب والغارة ، فبيّن تعالى أنهم يحزنون ويغتمون بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم . المسألة الثالثة : يقال ساء الشيء يسوء فهو سئ ، والأنثى سيئة أي قبح ، ومنه قوله تعالى : * ( ساء ما يعملون ) * ( المائدة : 66 ) والسوأى ضد الحسنى . ثم قال : * ( وإن تصبروا ) * يعني على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم * ( وتتقوا ) * كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله * ( لا يضركم كيدهم شيئاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو * ( لا يضركم ) * بفتح الياء وكسر الضاد وسكون الراء ، وهو من ضاره يضيره ، ويضوره ضوراً إذا ضرَّه ، والباقون * ( لا يضركم ) * بضم الضاد والراء المشددة وهو من الضر ، وأصله يضرركم جزماً ، فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الراء الأخيرة ، اتباعاً لأقرب الحركات وهي ضمة الضاد ، وقال بعضهم : هو على التقديم والتأخير تقديره : ولا يضركم كيدهم شيئاً إن تصبروا وتتقوا ، قال صاحب " الكشاف " : وروى المفضل عن عاصم * ( لا يضركم ) * بفتح الراء . المسألة الثانية : الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه ، وابن عباس فسّر الكيد ههنا بالعداوة . المسألة الثالثة : * ( شيئاً ) * نصب على المصدر أي شيئاً من الضر . المسألة الرابعة : معنى الآية : أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره كيد الكافرين ولا حيل المحتالين . وتحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية كما قال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) فمن وفى بعهد العبودية في ذلك فالله سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه عن الآفات والمخافات ، وإليه الإشارة بقوله * ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ) * ( الطلاق : 2 ، 3 ) إشارة إلى أنه يوصل إليه كل ما يسره ، وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب الفضائل . ثم قال تعالى : * ( إن الله بما يعملون محيط ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء بما يعملون بالياء على سبيل المغايبة بمعنى أنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه ، ومن قرأ بالتاء على سبيل المخاطبة ، فالمعنى أنه عالم محيط بما تعملون من الصبر