فخر الدين الرازي
201
تفسير الرازي
ومنه قوله تعالى : * ( قائماً بالقسط ) * ( آل عمران : 18 ) . وأقول : إن هذه الآية دلّت على كون المسلم قائماً بحق العبودية وقوله * ( قائماً بالقسط ) * يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإحسان فتمت المعاهدة بفضل الله تعالى كما قال : * ( أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) * ( البقرة : 40 ) وهذا قول الحسن البصري ، واحتج عليه بما روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله : إن أناساً من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه ، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال : أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود ، قال الحسن : متحيرون مترددون " أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية " وفي رواية أخرى قال عند ذلك : " إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى ، وكلفتم أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوةً وعشياً والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني " فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب ، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال : * ( من أهل الكتاب أمة قائمة ) * . القول الثالث : * ( أمة قائمة ) * أي مستقيمة عادلة من قولك : أقمت العود فقام بمعنى استقام ، وهذا كالتقرير لقوله * ( كنتم خير أمة ) * . الصفة الثانية : قوله تعالى : * ( يتلون آيات الله آناء الليل ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( يتلون ويؤمنون ) * في محل الرفع صفتان لقوله * ( أمة ) * أي أمة قائمة تالون مؤمنون . المسألة الثانية : التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ . المسألة الثالثة : آيات الله قد يراد بها آيات القرآن ، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد ههنا الأولى . المسألة الرابعة : * ( آناء الليل ) * أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها إنا ، مثل : معي وأمعاء وإني مثل نحى وإنحاء ، مكسور الأول ساكن الثاني ، قال القفال رحمه الله ، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات ، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة " آذيت وآنيت " أي دافعت الأوقات . الصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( وهم يسجدون ) * وفيه وجوه الأول : يحتمل أن يكون حالاً من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في " تفسيره " حديثاً : أن ذلك غير جائز ، وهو قوله عليه السلام : " ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً " الثاني : يحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة