فخر الدين الرازي
202
تفسير الرازي
بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله * ( والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ) * ( الفرقان : 64 ) وقوله * ( أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ) * ( الزمر : 9 ) قال الحسن : يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه ، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث : يحتمل أن يكون المراد بقوله * ( وهم يسجدون ) * أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجوداً وسجدة وركوعاً وركعة وتسبيحاً وتسبيحة ، قال تعالى : * ( واركعوا مع الراكعين ) * ( البقرة : 43 ) أي صلوا وقال : * ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) * ( الروم : 17 ) والمراد الصلاة الرابع : يحتمل أن يكون المراد بقوله * ( وهم يسجدون ) * أي يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً كقوله * ( ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ) * ( النمل : 49 ) وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله . الصفة الرابعة : قوله * ( يؤمنون بالله واليوم الآخر ) * واعلم أن اليهود كانوا أيضاً يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة ، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله * ( يؤمنون بالله واليوم الآخر ) * وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي ، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون عن معاصي الله ، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد . واعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله ، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، فقوله * ( يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) * إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله * ( يؤمنون بالله واليوم الآخر ) * إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية ، وذلك أكمل أحوال الإنسان ، وهي المرتبة التي يقال لها : إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية . الصفة الخامسة : قوله * ( ويأمرون بالمعروف ) * . الصفة السادسة : قوله * ( وينهون عن المنكر ) * واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره ، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين ، وذلك بطريقين ، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف ، أو يمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : * ( يأمرون بالمعروف ) * أي بتوحيد الله وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم * ( وينهون عن المنكر ) * أي ينهون عن الشرك بالله ، وعن إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق