فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
السؤال الثالث : إن كانت هذه الآية وعيداً على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا يطاق . الجواب : ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله * ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) * ( البقرة : 284 ) . ثم قال تعالى : * ( ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ) * . واعلم أنه رفع على الاستئناف ، وهو كقوله * ( قاتلوهم يعذبهم الله ) * ( التوبة : 14 ) جزم الأفاعيل ، ثم قال : * ( ويتوب الله ) * فرفع ، ومثله قوله * ( فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ) * ( الشورى : 24 ) رفعاً ، وفي قوله * ( ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ) * غاية التحذير لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه الضمير . ثم قال تعالى : * ( والله على كل شيءٍ قدير ) * إتماماً للتحذير ، وذلك لأنه لما بيّن أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالماً بما في قلبه ، وكان عالماً بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب ، ثم بيّن أنه قادر على جميع المقدورات ، فكان لا محالة قادراً على إيصال حق كل أحد إليه ، فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب . قوله تعالى * ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَوءُوفُ بِالْعِبَادِ ) * . اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب والترهيب ، ومن تمام الكلام الذي تقدم . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في العامل في قوله * ( يوم ) * وجوهاً الأول : قال ابن الأنباري : اليوم متعلق بالمصير والتقدير : وإلى الله المصير يوم تجد الثاني : العامل فيه قوله * ( ويحذركم الله نفسه ) * في الآية السابقة ، كأنه قال : ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم الثالث : العامل فيه قوله * ( والله على كل شيء قدير ) * أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ، وخص هذا اليوم بالذكر ، وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى تفضيلاً له لعظم شأنه كقوله * ( مالك يوم الدين ) * ( الفاتحة : 4 ) الرابع : أن العامل فيه قوله * ( تود ) * والمعنى : تود كل نفس كذا وكذا في ذلك اليوم الخامس : يجوز أن يكون منتصباً بمضمر ، والتقدير : واذكر يوم تجد كل نفس .