فخر الدين الرازي
17
تفسير الرازي
المسألة الثانية : اعلم أن العمل لا يبقى ، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين الأول : أنه يجد صحائف الأعمال ، وهو قوله تعالى : * ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) * ( الجاثية : 29 ) وقال : * ( فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه ) * ( المجادلة : 6 ) الثاني : أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى : * ( محضراً ) * يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المعنى : أن جزاء العمل يكون محضراً ، كقوله * ( ووجدوا ما عملوا حاضراً ) * ( الكهف : 49 ) وعلى كلا الوجهين ، فالترغيب والترهيب حاصلان . أما قوله : * ( وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي : الأظهر أن يجعل * ( ما ) * ههنا بمنزلة الذي ، ويكون * ( عملت ) * صلة لها ، ويكون معطوفاً على * ( ما ) * الأول ، ولا يجوز أن تكون * ( ما ) * شرطية ، وإلا كان يلزم أن ينصب * ( تود ) * أو يخفضه ، ولم يقرأه أحد إلا بالرفع ، فكان هذا دليلاً على أن * ( ما ) * ههنا بمعنى الذي . فإن قيل : فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ، ودت . قلنا : لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع ، لأنه حكاية حال الكافر في ذلك اليوم ، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة . المسألة الثانية : الواو في قوله * ( وما عملت من سوء ) * فيه قولان الأول : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : الواو واو العطف ، والتقدير : تجد ما عملت من خير وما عملت من سوء ، وأما قوله * ( تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ) * ففيه وجهان الأول : أنه صفة للسوء ، والتقدير : وما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها وبينه والثاني : أن يكون حالاً ، والتقدير : يوم تجد ما عملت من سوء محضراً حال ما تود بعده عنها . والقول الثاني : أن الواو للاستئناف ، وعلى هذا القول لا تكون الآية دليلاً على القطع بوعيد المذنبين ، وموضع الكرم واللطف هذا ، وذلك لأنه نص في جانب الثواب على كونه محضراً وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه ، والبعد عنه ، وذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد . المسألة الثالثة : الأمد ، الغاية التي ينتهي إليها ، ونظيره قوله تعالى : * ( يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) * ( الزخرف : 38 ) . واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم ، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان ، إذ المقصود تمني بعده ، ثم قال : * ( ويحذركم الله نفسه ) * وهو لتأكيد الوعيد . ثم قال : * ( والله رؤوف بالعباد ) *