فخر الدين الرازي
143
تفسير الرازي
وأقر بأنه يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فإذا تأملت علمت أن الإنسان لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعاً لجميع الخصال المحمودة في الدنيا ، ولنرجع إلى التفسير فنقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : كان السلف إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله ، روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة : يا رسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إليّ أفأتصدق به ؟ فقال عليه السلام : " بخ بخ ذاك مال رابح ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها في أقاربه ، ويروى أنه جعلها بين حسّان بن ثابت وأُبي بن كعب رضي الله عنهما ، وروي أن زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة ، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام : " إن الله قد قبلها " واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له : لم أعتقتها ولم تصب منها ؟ فقال : * ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) * . المسألة الثانية : للمفسرين في تفسير البر قولان أحدهما : ما به يصيرون أبراراً حتى يدخلوا في قوله * ( إن الأبرار لفي نعيم ) * فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة والثاني : الثواب والجنة فكأنه قال : لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالانفاق على هذا الوجه . أما القائلون بالقول الأول ، فمنهم من قال : * ( البر ) * هو التقوى واحتج بقوله * ( ولكن البر من آمن بالله ) * إلى قوله * ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) * ( البقرة : 177 ) وقال أبو ذر : إن البر هو الخير ، وهو قريب مما تقدم . وأما الذين قالوا : البر هو الجنة فمنهم من قال : * ( لن تنالوا البر ) * أي لن تنالوا ثواب البر ، ومنهم من قال : المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم ، وهو من قول الناس : برني فلان بكذا ، وبر فلان لا ينقطع عني ، وقال تعالى : * ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) * إلى قول : * ( أن تبروهم ) * ( الممتحنة : 8 ) . المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في قوله * ( مما تحبون ) * منهم من قال : إنه نفس المال ، قال تعالى : * ( وإنه لحب الخير لشديد ) * ( العاديات : 8 ) ومنهم من قال : أن تكون الهبة رفيعة جيدة ، قال تعالى : * ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) * ( البقرة : 267 ) ومنهم من قال : ما يكون محتاجاً إليه قال تعالى : * ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ) * ( الإنسان : 8 ) أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه ، وقال : * ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) * ( الحشر : 9 ) وقال عليه السلام : " أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش