فخر الدين الرازي

144

تفسير الرازي

وتخشى الفقر " والأولى أن يقال : كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب . المسألة الرابعة : اختلف المفسرون في أن هذا الانفاق ، هل هو الزكاة أو غيرها ؟ قال ابن عباس : أراد به الزكاة ، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم ، وقال الحسن : كل شيء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه الله فإنه من الذين عنى الله سبحانه بقوله * ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) * حتى التمرة ، والقاضي اختار القول الأول ، واحتج عليه بأن هذا الانفاق ، وقف الله عليه كون المكلف من الأبرار ، والفوز بالجنة ، بحيث لو لم يوجد هذا الانفاق ، لم يصر العبد بهذه المنزلة ، وما ذاك إلا الانفاق الواجب ، وأقول : لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحب ، والزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب ، فإنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها ، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل الندب . المسألة الخامسة : نقل الواحدي عن مجاهد والكلبي : أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة ، وهذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى . المسألة السادسة : قال بعضهم كلمة * ( من ) * في قوله * ( مما تحبون ) * للتبعيض ، وقرأ عبد الله * ( حتى تنفقوا بعض ما تحبون ) * وفيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لا يجوز ثم قال : * ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) * ( الفرقان : 67 ) وقال آخرون : إنها للتبيين . ففيه سؤال : وهو أن يقال : قيل فإن الله به عليم على جهة جواب الشرط مع أن الله تعالى يعلمه على كل حال . والجواب : من وجهين الأول : أن فيه معنى الجزاء تقديره : وما تنفقوا من شيء فإن الله به يجازيكم قل أم كثر ، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه ، فجعل كونه عالماً بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب ، والتعريض في مثل هذا الموضع يكون أبلغ من التصريح والثاني : أنه تعالى يعلم الوجه الذي لأجله يفعلونه ويعلم أن الداعي إليه أهو الإخلاص أم الرياء ويعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود ، أم الأخس الأرذل . واعلم أن نظير هذه الآية قوله * ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) * وقوله * ( وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ) * ( البقرة : 270 ) قال صاحب " الكشاف " * ( من ) * في قوله * ( من شيء ) * لتبيين ما ينفقونه أي من