فخر الدين الرازي
132
تفسير الرازي
الذي يأتي مصدق لما معهم بيّن في هذه الآية أن من صفة محمد صلى الله عليه وسلم كونه مصدقاً لما معهم فقال : * ( قل آمنا بالله ) * إلى آخر الآية وههنا مسائل : المسألة الأولى : وحد الضمير في * ( قل ) * وجمع في * ( آمنا ) * وفيه وجوه الأول : إنه تعالى حين خاطبه ، إنما خاطبه بلفظ الوحدان ، وعلمه أنه حين يخاطب القوم يخاطبهم بلفظ الجمع على وجه التعظيم والتفخيم ، مثل ما يتكلم الملوك والعظماء والثاني : أنه خاطبه أولاً بخطاب الوجدان ليدل هذا الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من الله إلى الخلق إلا هو ، ثم قال : * ( آمنا ) * تنبيهاً على أنه حين يقول هذا القول فإن أصحابه يوافقونه عليه الثالث : إنه تعالى عينه في هذا التكليف بقوله * ( قل ) * ليظهر به كونه مصدقاً لما معهم ثم قال * ( آمنا ) * تنبيهاً على أن هذا التكليف ليس من خواصه بل هو لازم لكل المؤمنين كما قال : * ( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) * ( البقرة : 285 ) . المسألة الثانية : قدم الإيمان بالله على الإيمان بالأنبياء ، لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة ، وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه ، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه ، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء وهم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم ، ويختلفون في نبوتهم * ( والأسباط ) * هم أسباط يعقوب عليه السلام الذين ذكر الله أممهم الاثني عشر في سورة الأعراف ، وإنما أوجب الله تعالى الإقرار بنبوّة كل الأنبياء عليهم السلام لفوائد إحداها : إثبات كونه عليه السلام مصدقاً لجميع الأنبياء ، لأن هذا الشرط كان معتبراً في أخذ الميثاق وثانيها : التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة ، وذلك لأنهم إنما يصدقون النبي الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه ، وهذا يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة عليه كان نبياً ، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق والبعض بالتكذيب متناقضاً ، بل الحق تصديق الكل والاعتراف بنبوّة الكل وثالثها : إنه قال قبل هذه الآية * ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض ) * ( آل عمران : 83 ) وهذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن دين الله ومنازعة مع الله ، فههنا أظهر الإيمان بنبوّة جميع الأنبياء ، ليزول عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم والتكليف ورابعها : أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيّين ، أن يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل ، وههنا أخذ الميثاق على محمد صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بكل من أتى قبله من الرسل ،