فخر الدين الرازي
133
تفسير الرازي
ولم يأخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده من الرسل ، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه على أنه لا نبي بعده البتة ، فإن قيل : لم عدَّى * ( أنزل ) * في هذه الآية بحرف الاستعلاء ، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء ؟ قلنا : لوجود المعنيين جميعاً ، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر ، وقيل أيضاً إنما قيل * ( علينا ) * في حق الرسول ، لأن الوحي ينزل عليه وإلينا في حق الأمة لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه الانتهاء وهذا تعسف ، ألا ترى إلى قوله * ( بما أنزل إليك ) * ( البقرة : 4 ) وأنزل إليك الكتاب وإلى قوله * ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ) * ( آل عمران : 72 ) . المسألة الثانية : اختلف العلماء في أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين تقدموا ونسخت شرائعهم كيف يكون ؟ وحقيقة الخلاف ، أن شرعه لما صار منسوخاً ، فهل تصير نبوته منسوخة ؟ فمن قال إنها تصير منسوخة قال : نؤمن أنهم كانوا أنبياء ورسلاً ، ولا نؤمن بأنهم الآن أنبياء ورسل ، ومن قال إن نسخ الشريعة لا يقتضي نسخ النبوّة قال : نؤمن أنهم أنبياء ورسل في الحال فتنبه لهذا الموضع . المسألة الرابعة : قوله * ( لا نفرق بين أحد منهم ) * فيه وجوه الأول : قال الأصم : التفرق قد يكون بتفضيل البعض على البعض ، وقد يكون لأجل القول بأنهم ما كانوا على سبيل واحد في الطاعة لله والمراد من هذا الوجه يعني : نقر بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله الثاني : قال بعضهم المراد * ( لا نفرق بين أحد منهم ) * بأن نؤمن ببعض دون بعض كما تفرقت اليهود والنصارى الثالث : قال أبو مسلم * ( لا نفرق بين أحد منهم ) * أي لا نفرق ما أجمعوا عليه ، وهو كقوله * ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) * ( آل عمران : 103 ) وذم قوماً وصفهم بالتفرق فقال : * ( لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) * ( الأنعام : 94 ) . أما قوله * ( ونحن له مسلمون ) * ففيه وجوه الأول : إن إقرارنا بنبوّة هؤلاء الأنبياء إنما كان لأجل كوننا منقادين لله تعالى مستسلمين لحكمه وأمره ، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم الله بقوله * ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض ) * والثاني : قال أبو مسلم * ( ونحن له مسلمون ) * أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة وتلك صفة المؤمنين بالله وهم أهل السلم والكافرون يوصفون بالمحاربة لله كما قال : * ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) * ( المائدة : 33 ) الثالث : أن قوله * ( ونحن له مسلمون ) * يفيد الحصر والتقدير : له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة ورياء وطلب مال ، وهذا تنبيه على أن حالهم بالضد من ذلك فإنهم لا يفعلون ولا يقولون إلا للسمعة والرياء وطلب الأموال والله أعلم .