فخر الدين الرازي
128
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( قال أأقرتم وأخذتم على ذلكم إصري ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : إن فسرنا قوله تعالى : * ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين ) * بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى * ( أأقرتم ) * معناه : قال الله تعالى للنبيّين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله * ( قال أأقرتم ) * أي قال كل نبي لأمته أأقرتم ، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه ، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم ، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده ، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم ، بل طالبوهم بالإقرار بالقول ، وأكدوا ذلك بالإشهاد . المسألة الثانية : الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر ، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته . أما قوله تعالى : * ( وأخذتم على ذلكم إصري ) * أي قبلتم عهدي ، والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى : * ( ولا يؤخذ منها عدل ) * ( البقرة : 48 ) أي يقبل منها فدية وقال : * ( ويأخذ الصدقات ) * ( التوبة : 104 ) أي يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى : * ( ولا تحمل علينا إصراً ) * ( البقرة : 286 ) فسمى العهد إصراً لهذا المعنى ، قال صاحب " الكشاف " : سمى العهد إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرئ * ( إصري ) * ويجوز أن يكون لغة في إصر . ثم قال تعالى : * ( قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) * وفي تفسير قوله * ( فاشهدوا ) * وجوه الأول : فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضاً * ( من الشاهدين ) * وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض الثاني : أن قوله * ( فاشهدوا ) * خطاب للملائكة الثالث : أن قوله * ( فاشهدوا ) * أي ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه ونظيره قوله * ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) * ( الأعراف : 172 ) على أنفسنا وهذا من باب المبالغة الرابع : * ( فاشهدوا ) * أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام ، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به ، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس : * ( فاشهدوا ) * أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق ، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له السادس : إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله * ( فاشهدوا ) * خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم . وأما قوله تعالى : * ( وأنا معكم من الشاهدين ) * فهو للتأكيد وتقوية الإلزام ، وفيه فائدة أخرى