فخر الدين الرازي
129
تفسير الرازي
وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره ، فليس محتاجاً إلى ذلك الإشهاد ، لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية لكن لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى ، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيداً آخر فقال : * ( فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) * يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم ، وقوله * ( فمن تولى بعد ذلك ) * هذا شرط ، والفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط والجزاء ، والله أعلم . قوله تعالى * ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ واَلاَْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام شرع شرعه الله وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالباً ديناً غير دين الله ، فلهذا قال بعده * ( أفغير دين الله يبغون ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم * ( يبغون ) * و * ( يرجعون ) * بالياء المنقطة من تحتها ، لوجهين أحدهما : رداً لهذا إلى قوله * ( وأولئك هم الفاسقون ) * ( آل عمران : 82 ) والثاني : أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار * ( أفغير دين الله يبغون ) * وقرأ أبو عمرو * ( تبغون ) * بالتاء خطاباً لليهود وغيرهم من الكافر و * ( يرجعون ) * بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله * ( وله أسلم من في السماوات والأرض ) * وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب ، لأن ما قبله خطاب كقوله * ( أأقرتم وأخذتم ) * ( آل عمران : 81 ) وأيضاً فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر ولكل أحد : أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السماوات والأرض ، وأن مرجعكم إليه وهو كقوله * ( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ) * ( آل عمران : 101 ) . المسألة الثانية : الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه ، وموضع الهمزة هو لفظة * ( يبغون ) * تقديره : أيبغون غير دين الله ؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث ، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو * ( غير دين الله ) * على فعله ، لأنه أهم من حيث