فخر الدين الرازي
127
تفسير الرازي
التي لم يشتمل الكتاب عليها . المسألة السادسة : كلمة * ( من ) * في قوله * ( من كتاب ) * دخلت تبييناً لما كقولك : ما عندي من الورق دانقان . أما قوله تعالى : * ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) * ففيه سؤالات : السؤال الأول : ما وجه قوله * ( ثم جاءكم ) * والرسول لا يجيء إلى النبيّين وإنما يجيء إلى الأمم ؟ . والجواب : إن حملنا قوله * ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين ) * على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيّين أنفسهم كان قوله * ( ثم جاءكم ) * أي جاء في زمانكم . السؤال الثاني : كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم ، قلنا : المراد به حصول الموافقة في التوحيد ، والنبوات ، وأصول الشرائع ، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها ؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف ، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه ، فهذا وإن كان يوهم الخلاف ، إلا أنه في الحقيقة وفاق ، وأيضاً فالمراد من قوله * ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) * هو محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بكونه مصدقاً لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل ، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكوراً في تلك الكتب ، كان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم ، فهذا هو المراد بكونه مصدقاً لما معهم . السؤال الثالث : حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم فما معنى ذلك الميثاق . والجواب : يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه ، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق ، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين ، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له ، فقوله تعالى : * ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) * يدل على هذين الوجهين ، أما على الوجه الأول ، فقوله * ( رسول ) * وأما على الوجه الثاني ، فقوله * ( مصدق لما معكم ) * . أما قوله * ( لتؤمنن به ولتنصرنه ) * فالمعنى ظاهر ، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولاً ، ثم الاشتغال بنصرته ثانياً ، واللام في * ( لتؤمنن به ) * لام القسم ، كأنه قيل : والله لتؤمنن به .