فخر الدين الرازي

124

تفسير الرازي

ليسوا هم النبيّين بل هم أمم النبيّين قال : ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما يليق بالأمم ، أجاب القفال رحمه الله فقال لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( الزمر : 65 ) وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض فكذا ههنا ، وقال : * ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين ) * ( الحاقه : 44 ، 45 ، 46 ) وقال في صفة الملائكة * ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ) * ( الأنبياء : 29 ) مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم ، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير فكذا ههنا ، ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك ، وقد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض والتقدير في قوله * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( الزمر : 65 ) فكذا ههنا . الحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء عليهم السلام ، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام ، أعلى وأشرف من درجات الأمم ، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء ، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجباً على أممهم لو كان ذلك أولى ، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه . الحجة الثالثة : ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن * ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) * ونحن نقرأ * ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين ) * فقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما أخذ الله ميثاق النبيّين على قومهم . الحجة الرابعة : أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى : * ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) * وبقوله تعالى : * ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) * ( آل عمران : 187 ) فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع والله أعلم بمراده . وأما قوله تعالى : * ( لما آتيتكم من كتاب وحكمة ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الجمهور * ( لما ) * بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير * ( لما ) * مشددة ، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول : أن * ( ما ) * اسم موصول والذي بعده صلة