فخر الدين الرازي

125

تفسير الرازي

له وخبره قوله * ( لتؤمنن به ) * والتقدير : للذي آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، وعلى هذا التقدير * ( ما ) * رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة * ( ما ) * وموصولتها محذوف والتقدير : لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله * ( أهذا الذي بعث الله رسولاً ) * ( الفرقان : 41 ) وعليه سؤالان : السؤال الأول : إذا كانت * ( ما ) * موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز ، ألا ترى أنك لو قلت : الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز . وقوله * ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) * ليس فيه راجع إلى الموصول ، قلنا : يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى : * ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) * ( يوسف : 90 ) ولم يقل : فإن الله لا يضيع أجره ، وقال : * ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ) * ( الكهف : 30 ) ولم يقل : إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا ههنا . السؤال الثاني : ما فائدة اللام في قوله * ( لما ) * قلنا : هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك : لزيد أفضل من عمرو ، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله * ( إذ أخذ الله ميثاق النبيّين ) * بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم ، وهذه اللام المتلقية للقسم ، فهذا تقرير هذا الكلام . الوجه الثاني : وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن * ( ما ) * ههنا هي المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، فاللام في قوله * ( لتؤمنن به ) * هي المتلقية للقسم ، أما اللام في * ( لما ) * هي لام تحذف تارة ، وتذكر أخرى ، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك : والله لو أن فعلت ، فعلت فلفظة ( أن ) لا يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير كانت ( ما ) في موضع نصب بأتيتكم * ( وجاءكم ) * جزم بالعطف على * ( آتيتكم ) * و * ( لتؤمنن به ) * هو الجزاء ، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر ، وأما الوجه في قراءة * ( لما ) * بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل : أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل * ( وما ) * على هذه القراءة تكون موصولة ، وتمام البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول ، وأما قراءة * ( لما ) * بالتشديد فذكر صاحب " الكشاف " فيه وجهين الأول : أن المعنى : حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق له ، وجب عليكم