فخر الدين الرازي

100

تفسير الرازي

أما قوله * ( فمن جاءه موعظة من ربه ) * فاعلم أنه ذكر فعل الموعظة لأن تأنيثها غير حقيقي ولأنها في معنى الوعظ ، وقرأ أبي والحسن * ( فمن جاءته موعظة ) * ثم قال : * ( فانتهى ) * أي فامتنع ، ثم قال : * ( فله ما سلف ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في التأويل وجهان الأول : قال الزجاج : أي صفح له عما مضى من ذنبه من قبل نزول هذه الآية ، وهو كقوله * ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) * ( الأنفال : 38 ) وهذا التأويل ضعيف لأنه قبل نزول الآية في التحريم لم يكن ذلك حراماً ولا ذنباً ، فكيف يقال المراد من الآية الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ما كان هناك ذنب ، والنهي المتأخر لا يؤثر في الفعل المتقدم ولأنه تعالى أضاف ذلك إليه بلام التمليك ، وهو قوله * ( فله ما سلف ) * فكيف يكون ذلك ذنباً الثاني : قال السدي : له ما سلف أي له ما أكل من الربا ، وليس عليه رد ما سلف ، فأما من لم يقض بعد فلا يجوز له أخذه ، وإنما له رأس ماله فقط كما بينه بعد ذلك بقوله * ( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ) * ( البقرة : 279 ) . المسألة الثانية : قال الواحدي : السلف المتقدم ، وكل شيء قدمته أمامك فهو سلف ، ومنه الأمة السالفة ، والسالفة العنق لتقدمه في جهة العلو ، والسلفة ما يقدم قبل الطعام ، وسلافة الخمر صفوتها ، لأنه أول ما يخرج من عصيرها . أما قوله تعالى : * ( وأمره إلى الله ) * ففيه وجوه للمفسرين ، إلا أن الذي أقوله : إن هذه الآية مختصة بمن ترك استحلال الربا من غير بيان أنه ترك أكل الربا ، أو لم يترك ، والدليل عليه مقدمة الآية ومؤخرتها . أما مقدمة الآية فلأن قوله * ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ) * ليس فيه بيان أنه انتهى عما ذا فلا بد وأن يصرف ذلك المذكور إلى السابق ، وأقرب المذكورات في هذه الكلمة ما حكى الله أنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا ، فكان قوله * ( فانتهى ) * عائداً إليه ، فكان المعنى : فانتهى عن هذا القول . وأما مؤخرة الآية فقوله * ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * ومعناه : عاد إلى الكلام المتقدم ، وهو استحلال الربا * ( فأمره إلى الله ) * ثم هذا الإنسان إما أن يقال : إنه كما انتهى عن استحلال الربا انتهى أيضاً عن أكل الربا ، أوليس كذلك ، فإن كان الأول كان هذا الشخص مقراً بدين الله عالماً بتكليف الله ، فحينئذ يستحق المدح والتعظيم والإكرام ، لكن قوله * ( فأمره إلى الله ) * ليس كذلك لأنه يفيد أنه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع ، فلم يبق إلا أن يكون مختصاً بمن أقر بحرمة الربا ثم أكل الربا