فخر الدين الرازي

101

تفسير الرازي

فههنا أمره لله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو كقوله * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * فيكون ذلك دليلاً ظاهراً على صحة قولنا أن العفو من الله مرجو . أما قوله * ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * فالمعنى : ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافراً . واعلم أن قوله * ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * دليل قاطع في أن الخلود لا يكون إلا للكافر لأن قوله * ( أولئك أصحاب النار ) * يفيد الحصر فيمن عاد إلى قول الكافر وكذلك قوله * ( هم فيها خالدون ) * يفيد الحصر ، وهذا يدل على أن كونه صاحب النار ، وكونه خالداً في النار لا يحصل إلا في الكفار أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه ، لكنه يبقى على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع ، وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمناً بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه ، ويجوز أن يعاقبه الله وأمره في البابين موكل إلى الله ، ثم بتقدير أن يعاقبه الله فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه منها ، والله تعالى بيّن صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله * ( فأمره إلى الله ) * على جواز العفو في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه . ثم قوله * ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * يدل على أن بتقدير أن يدخله الله النار لكنه لا يخلده فيها الآن الخلود مختص بالكفار لا بأهل الإيمان ، وهذا بيان شريف وتفسير حسن . * ( يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَواْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) * . إعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا ، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات ، ذكر هاهنا ما يجري مجرى الدعاء إلى ترك الصدقات وفعل الربا ، وكشف عن فساده ، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير فبين تعالى أن الربا وإن كان زيادة في الحال ، إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة ، إلا أنها زيادة في المعنى ، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف ، بل يعول على ما ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف فهذا وجه النظم وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المحق نقصان الشيء حالا بعد حال ، ومنه المحاق في الهلال يقال : محقه الله فانمحق وامتحق ، ويقال : هجير ما حق إذا نقص في كل شيء بحرارته .