فخر الدين الرازي
83
تفسير الرازي
يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعاً بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب . قالت المعتزلة * ( ولكن الله يهدي من يشاء ) * يحتمل وجوهاً أحدها : أنه يهدي بالإثابة والمجازاة من يشاء ممن استحق ذلك وثانيها : يهدي بالألطاف وزيادات الهدى من يشاء وثالثها : ولكن الله يهدي بالإكراه من يشاء على معنى أنه قادر على ذلك وإن لم يفعله ورابعها : أنه يهدي بالاسم والحكم من يشاء ، فمن اهتدى استحق أن يمدح بذلك . أجاب الأصحاب عن هذه الوجوه بأسرها أن المثبت في قوله * ( ولكن الله يهدي من يشاء ) * هو المنفي أولاً بقوله * ( ليس عليك هداهم ) * لكن المراد بذلك المنفي بقوله أولاً : * ( ليس عليك هداهم ) * هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، فالمثبت بقوله * ( ولكن الله يهدي من يشاء ) * يجب أن يكون هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، وعلى هذا التقدير يسقط كل الوجوه . ثم قال : * ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) * فالمعنى : وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير فإنما هو لأنفسكم أي ليحصل لأنفسكم ثوابه فليس يضركم كفرهم . ثم قال تعالى : * ( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول أن يكون المعنى : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله ، فقد علم الله هذا من قلوبكم ، فانفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر ؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهي ، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله ، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيراً قال تعالى : * ( الوالدات يرضعن أولادهن ) * ( البقرة : 233 ) * ( والمطلقات يتربصن ) * ( البقرة : 228 ) الثالث : أن قوله * ( وما تنفقون ) * أي ولا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله . المسألة الثانية : ذكر في الوجه في قوله * ( إلا ابتغاء وجه الله ) * قولان أحدهما : أنك إذا قلت : فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ والثاني : أنك إذا قلت : فعلت هذا الفعل له فههنا يحتمل أن يقال : فعلته له ولغيره أيضاً ، أما إذا قلت فعلت هذا الفعل لوجهه ، فهذا يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة . المسألة الثالثة : أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم ، فتكون هذه الآية مختصة