فخر الدين الرازي

82

تفسير الرازي

المسألة الأولى : في بيان سبب النزول وجوه أحدها : أن هذه الآية نزلت حين جاءت نتيلة أم أسماء بنت أبي بكر إليها تسألها ، وكذلك جدتها وهما مشركتان ، أتيا أسماء يسألانها شيئاً فقالت لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكما لستما على ديني ، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتصدق عليهما . والرواية الثانية : كان أناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة والنضير وكانوا لا يتصدقون عليهم ، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئاً فنزلت هذه الآية . والرواية الثالثة : أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتصدق على المشركين ، حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم والمعنى على جميع الروايات : ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام ، فتصدق عليهم لوجه الله ، ولا توقف ذلك على إسلامهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ) * ( الممتحنة : 8 ) فرخص في صلة هذا الضرب من المشركين . المسألة الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم كما قال تعالى : * ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ) * ( الكهف : 6 ) * ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) * ( الشعراء : 3 ) وقال : * ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) * ( يونس : 99 ) وقال : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ) * ( التوبة : 128 ) فأعلمه الله تعالى أنه بعثه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ومبيناً للدلائل ، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك ، فالهدى هاهنا بمعنى الاهتداء ، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم ، وفيه وجه آخر : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن توقف صدقتك عنهم على إيمانهم ، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به ، بل الإيمان المطلوب منهم الإيمان على سبيل التطوع والاختيار . المسألة الثالثة : ظاهر قوله * ( ليس عليك هداهم ) * خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به هو وأمته ، ألا تراه قال : * ( إن تبدوا الصدقات ) * ( البقرة : 271 ) وهذا خطاب عام ، ثم قال : * ( ليس عليك هداهم ) * وهو في الظاهر خاص ، ثم قال بعده * ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) * وهذا عام فيفهم من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضاً . أما قوله تعالى : * ( ولكن الله يهدي من يشاء ) * فقد احتج به الأصحاب على أن هداية الله تعالى غير عامة ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا : لأن قوله * ( ولكن الله يهدي من يشاء ) * إثبات للهداية التي نفاها بقوله * ( ليس عليك هداهم ) * لكن المنفي بقوله * ( ليس عليك هداهم ) * هو حصول الاهتداء على سبيل الاختيار ، فكان قوله * ( ولكن الله يهدي من يشاء ) * عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار وهذا