فخر الدين الرازي
73
تفسير الرازي
بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ) * ( مريم : 31 ) وهو الحكمة العملية ، وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم : * ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) * ( محمد : 19 ) وهو الحكمة النظرية ، ثم قال : * ( واستغفر لذنبك ) * ( غافر : 55 ) ( محمد : 19 ) وهو الحكمة العملية ، وقال في جميع الأنبياء * ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ) * ( النحل : 2 ) وهو الحكمة النظرية : ثم قال : * ( فاتقون ) * وهو الحكمة العملية ، والقرآن هو من الآية الدالة على أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين ، قال أبو مسلم : الحكمة فعلة من الحكم ، وهي كالنحلة من النحل ، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى ولب وإصابة رأي ، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال : أمر حكيم ، أي محكم ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، قال الله تعالى : * ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) * ( الدخان : 4 ) وهذا الذي قاله أبو مسلم من اشتقاق اللغة يطابق ما ذكرناه من المعنى . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( ومن يؤتي الحكمة ) * بمعنى : ومن يؤته الله الحكمة ، وهكذا قرأ الأعمش . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى وذلك لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية ، لأنها حاصلة للبهائم والمجانين والأطفال ، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكم ، فهي مفسرة بالعلوم النظرية ، وإن فسرناها بالأفعال الحسيّة فالأمر ظاهر ، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية والأفعال الحسيّة ثابتاً من غيرهم ، وبتقدير مقدر غيرهم ، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق ، فدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوّة والقرآن ، أو قوة الفهم والحسيّة على ما هو قول الربيع بن أنس . قلنا : الدليل الذي ذكرناه يدفع هذه الاحتمالات ، وذلك لأنه بالنقل المتواتر ثبت أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء ، فتكون الحكمة مغايرة للنبوّة والقرآن ، بل هي مفسرة إما بمعرفة حقائق الأشياء ، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، فإن حاولت المعتزلة حمل الإيتاء على التوفيق والإعانة والألطاف ، قلنا : كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين فقد فعل مثله في حق الكفار ، مع أن هذا المدح العظيم المذكور في هذه الآية لا يتناولهم ، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الألطاف والله أعلم . ثم قال : * ( وما يذكر إلا أولو الألباب ) * والمراد به عندي والله أعلم أن الإنسان إذا رأى الحكم والمعارف حاصلة في قلبه ، ثم تأمل وتدبر وعرف أنها لم تحصل إلا بإيتاء الله تعالى وتيسيره ، كان