فخر الدين الرازي

74

تفسير الرازي

من أولي الألباب ، لأنه لم يقف عند المسببات ، بل ترقى منها إلى أسبابها ، فهذا الانتقال من المسبب إلى السبب هو التذكر الذي لا يحصل إلا لأولي الألباب ، وأما من أضاف هذه الأحوال إلى نفسه ، واعتقد أنه هو السبب في حصولها وتحصيلها ، كان من الظاهر بين الذين عجزوا عن الانتقال من المسببات إلى الأسباب ، وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل ، قالوا : هذه الحكمة لا تقوم بنفسها ، وإنما ينتفع بها المرء بأن يتدبر ويتفكر ، فيعرف ماله وما عليه ، وعند ذلك يقدم أو يحجم . * ( وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) * . اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال ، ثم حث أولاً : بقوله * ( ولا تيمموا الخبيث ) * ( البقرة : 267 ) وثانياً : بقوله * ( الشيطان يعدكم الفقر ) * ( البقرة : 268 ) حيث عليه ثالثاً : بقوله * ( وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله * ( فإن الله يعلمه ) * على اختصاره ، يفيد الوعد العظيم للمطيعين ، والوعيد الشديد للمتمردين ، وبيانه من وجوه أحدها : أنه تعالى عالم بما في قلب المتصدق من نية الإخلاص والعبودية أو من نيّة الرياء والسمعة وثانيها : أن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات ، كما قال : * ( إنما يتقبل الله من المتقين ) * ( المائدة : 27 ) وقوله * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) * ( الزلزلة : 7 ، 8 ) وثالثها : أنه تعالى يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها ، ولا يشتبه عليه شيء منها . المسألة الثانية : إنما قال : * ( فإن الله يعلمه ) * ولم يقل : يعلمها ، لوجهين الأول : أن الضمير عائد إلى الأخير ، كقوله * ( ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ) * وهذا قول الأخفش ، والثاني : أن الكتابة عادت إلى ما في قوله * ( وما أنفقتم من نفقة ) * لأنها اسم كقوله * ( وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ) * ( البقرة : 231 ) . المسألة الثالثة : النذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه يقال : نذر ينذر ، وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ، وأنذرت القوم إنذاراً