فخر الدين الرازي
72
تفسير الرازي
يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم ، ولا شك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل ، وحكم الحس والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة ، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول ، فهذا هو الإشارة إلى وجه النظم . بقي في الآية مسائل : المسألة الأولى : المراد من الحكمة إما العلم وإما فعل الصواب يروى عن مقاتل أنه قال : تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه أحدها : مواعظ القرآن ، قال في البقرة * ( وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ) * يعني مواعظ القرآن وفي النساء * ( وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ) * يعني المواعظ ، ومثلها في آل عمران وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم ، ومنه قوله تعالى : * ( وآتيناه الحكم صبياً ) * ( مريم : 12 ) وفي لقمان * ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) * ( لقمان : 12 ) يعني الفهم والعلم وفي الأنعام * ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ) * ( الأنعام : 89 ) وثالثها : الحكمة بمعنى النبوّة في النساء * ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ) * ( النساء : 54 ) يعني النبوّة ، وفي ص * ( وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) * ( ص : 20 ) يعني النبوّة ، وفي البقرة * ( وآتاه الله الملك والحكمة ) * ( البقرة : 251 ) ورابعها : القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل * ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) * ( النحل : 125 ) وفي هذه الآية * ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) * ( البقرة : 269 ) وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ، ثم تأمل أيها المسكين فإنه تعالى ما أعطى إلا القليل من العلم ، قال تعالى : * ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) * ( الإسراء : 85 ) وسمى الدنيا بأسرها قليلا ، فقال : * ( قل متاع الدنيا قليل ) * ( النساء : 77 ) وانظر كم مقدار هذا القليل حتى تعرف عظمة ذلك الكثير ، والبرهان العقلي أيضاً يطابقه لأن الدنيا متناهية المقدار ، متناهية المدة ، والعلوم لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها ، والسعادة الحاصلة منها ، وذلك ينبئك على فضيلة العلم والاستقصاء في هذا الباب قد مرّ في تفسير قوله تعالى : * ( وعلم آدم الأسماء كلها ) * ( البقرة : 31 ) وأما الحكمة بمعنى فعل الصواب فقيل في حدها : إنها التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية ، ومداد هذا المعنى على قوله صلى الله عليه وسلم : " تخلقوا بأخلاق الله تعالى " واعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين ، وذلك لأن كمال الإنسان في شيئين : أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، فالمرجع بالأول : إلى العلم والإدراك المطابق ، وبالثاني : إلى فعل العدل والصواب ، فحكي عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قوله * ( رب هب لي حكماً ) * ( الشعراء : 83 ) وهو الحكمة النظرية * ( وألحقني بالصالحين ) * ( الشعراء : 83 ) الحكمة العملية ، ونادى موسى عليه السلام فقال : * ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) * وهو الحكمة النظرية ، ثم قال : * ( فاعبدني ) * وهو الحكمة العملية ، وقال عن عيسى عليه السلام إنه قال : * ( إني عبد الله ) * ( مريم : 30 ) الآية ، وكل ذلك للحكمة النظرية ، ثم قال : * ( وأوصاني