فخر الدين الرازي
25
تفسير الرازي
بإثبات أن للعالم إلهاً ، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال : * ( إني رسول ربّ العالمين ) * ( الزخرف : 46 ) * ( قال فرعون وما ربّ العالمين ) * ( الشعراء : 23 ) فاحتج موسى عليه السلام على إثبات الإلهية بقوله * ( رب السماوات والأرض ) * فكذا هاهنا الظاهر أن إبراهيم ادعى الرسالة ، فقال نمروذ : من ربك ؟ فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، إلا أن تلك المقدمة حذفت ، لأن الواقعة تدل عليها . المسألة الثانية : دليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة ، وذلك لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين ، والأحياء والإماتة كذلك ، لأن الخلق عاجزون عنهما ، والعلم بعد الاختيار ضروري ، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم ، وذلك المؤثر إما أن يكون موجباً أو مختاراً ، والأول : باطل ، لأنه يلزم من دوامه دوام الأثر ، فكان يجب أن لا يتبدل الأحياء بالإماتة ، وأن لا تتبدل الإماتة بالأحياء ، والثاني : وهو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشكل والصفة والطبيعة والخاصية ، وتأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون كذلك فعلمنا أنه لا بد في الأحياء والإماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل القدرة ، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها ، وذلك هو الله سبحانه وتعالى ، وهو دليل متين قوي ذكره الله سبحانه وتعالى في مواضع في كتابه كقوله * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) * ( المؤمنون : 12 ) إلى آخره ، وقوله * ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رددناه أسفل سافلين ) * ( التين : 4 ، 5 ) وقال تعالى : * ( الذي خلق الموت والحياة ) * . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى : * ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ) * ( البقرة : 28 ) وقال : * ( الذي خلق الموت والحياة ) * ( الملك : 2 ) وحكي عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى : * ( والذي يميتني ثم يحيين ) * ( الشعراء : 81 ) فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت ، حيث قال : * ( ربي الذي يحيي ويميت ) * . والجواب : لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح ، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر ، واطلاع الإنسان عليها أتم ، فلا جرم وجب تقديم الحياة هاهنا في الذكر . أما قوله تعالى : * ( قال أنا أحيي وأميت ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : يروى أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بتلك الحجة ، دعا ذلك الملك الكافر شخصين ، وقتل أحدهما ، واستبقى الآخر ، وقال : أنا أيضاً أحيي وأميت ، هذا هو المنقول في التفسير ، وعندي أنه بعيد ، وذلك لأن الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء وحقيقة