فخر الدين الرازي
26
تفسير الرازي
الإماتة على الوجه الذي لخصناه في الاستدلال ، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه ، ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق ، والمراد من الآية والله أعلم شيء آخر ، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما احتج بالإحياء والإماتة من الله قال المنكر ، تدعى الإحياء والإماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية ، أو تدعى صدور الأحياء والإماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية ، أما الأول : فلا سبيل إليه ، وأما الثاني : فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الاحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب ، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية ، وتناول السم قد يفضي إلى الموت ، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال : هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبر ، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو الله تعالى ، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضاً من الله تعالى ، وأما الإحياء والإماتة الصادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك ، لأنه لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكية ، فظهر الفرق . وإذا عرفت هذا فقوله * ( إن الله يأت بالشمس من المشرق ) * ليس دليلاً آخر ، بل تمام الدليل الأول : ومعناه : أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله بواسطة حركات الأفلاك ، إلا أن حركات الأفلاك من الله فكان الإحياء والإماتة أيضاً من الله تعالى ، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن الأسباب ليست واقعة بقدرته ، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشر ليست على ذلك الوجه ، وأنه لا يصلح نقضاً عليه ، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة ، لا ما هو المشهور عند الكل ، والله أعلم بحقيقة الحال . المسألة الثانية : أجمع القرّاء على إسقاط ألف * ( أنا ) * في الوصل في جميع القرآن ، إلا ما روي عن نافع من إثباته عند استقبال الهمزة ، والصحيح ما عليه الجمهور ، لأن ضمير المتكلم هو * ( أن ) * وهو الهمزة والنون ، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف كما تلحق الهاء في سكوته للوقف ، وكما إن هذه الهاء تسقط عند الوصل ، فكذا هذه الألف تسقط عند الوصل ، لأن