فخر الدين الرازي

106

تفسير الرازي

كنتم مؤمنين بقلوبكم . المسألة الثانية : في سبب نزول الآية روايات : الرواية الأولى : أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة . والرواية الثانية : قال مقاتل : إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف : مسعود ، وعبد يا ليل ، وحبيب ، وربيعة ، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة ، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الأخوة ، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . والرواية الثالثة : نزلت في العباس ، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا في التمر ، فلما حضر الجداد قبضا بعضاً ، وزاد في الباقي فنزلت الآية ، وهذا قول عطاء وعكرمة . الرواية الرابعة : نزلت في العباس وخالد بن الوليد ، وكانا يسلفان في الربا ، وهو قول السدي . المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله * ( إن كنتم مؤمنين ) * كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر . والجواب : لما دلّت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله * ( الذين يؤمنون بالغيب ) * ( البقرة : 3 ) على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ، فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركاً للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل . ثم قال تعالى : * ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة * ( فآذنوا ) * مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال * ( فآمنوا ) * والباقون * ( فأذنوا ) * بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن علي رضي الله عنه أنهما قرآ كذلك * ( فآذنوا ) * ممدودة ، أي فاعلموا من قوله تعالى : * ( فقل آذنتكم على سواء ) * ( الأنبياء : 109 ) ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية ، والتقدير : فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضاً قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم ، فهذه القراءة في البلاغة آكد ، وقال أحمد بن يحيى : قراءة العامة من الاذن ، أي كونوا على علم وإذن ، وقرأ الحسن * ( فأيقنوا ) * وهو دليل لقراءة العامة . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الخطاب بقوله * ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ) * خطاب