فخر الدين الرازي
107
تفسير الرازي
مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا ، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا ، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا ، قال القاضي : والاحتمال الأول أولى ، لأن قوله * ( فأذنوا ) * خطاب مع قوم تقدم ذكرهم ، وهم المخاطبون بقوله * ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ) * وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين . فإن قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟ قلنا : هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل ، كما جاء في الخبر " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله " وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى : * ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) * ( المائدة : 33 ) أصلاً في قطع الطريق من المسلمين ، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنّة رسوله . إذا عرفت هذا فنقول : في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول : المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني : المراد نفس الحرب وفيه تفصيل ، فنقول : الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزيز والحبس إلى أن تظهر منه التوبة ، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة ، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه ما نعي الزكاة ، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان ، وتترك دفن الموتى ، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضرب عنقه . والقول الثاني : في هذه الآية أن قوله * ( فإن لم تفعلوا فأذنوا ) * ( البقرة : 279 ) خطاب للكفار ، وأن معنى الآية * ( وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) * ( البقرة : 278 ) معترفين بتحريم الربا * ( فإن لم تفعلوا ) * أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه * ( فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) * ومن ذهب إلى هذا القول قال : إن فيه دليلاً على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافراً ، كما لو كفر بجميع شرائعه . ثم قال تعالى : * ( وإن تبتم ) * والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا ، وعلى القول الثاني من استحلال الربا * ( فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) * أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال ، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال . ثم قال تعالى : * ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) * وفيه مسألتان :