فخر الدين الرازي

84

تفسير الرازي

يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر " وهذا التأويل ضعيف من وجهين الأول : هو أن المؤاخذة المذكورة في هذه الآية صارت مفسرة في آية المائدة بقوله تعالى : * ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ) * ( المائدة : 89 ) ولما كان المراد بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وههنا الكفارة واجبة ، علمنا أن المراد من الآية ليس هو هذه الصورة الثاني : أنه تعالى جعل المقابل للغو هو كسب القلب ، ولا يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب مشعر بالشروع في فعل جديد ، فأما الاستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب القلب . القول الرابع : في تفسير يمين اللغو : أنها اليمين المكفرة سميت لغواً لأن الكفارة أسقطت الإثم ، فكأنه قيل : لا يؤاخذكم الله باللغو إذا كفرتم ، وهذا قول الضحاك . القول الخامس : وهو قول القاضي : أن المراد به ما يقع سهواً غير مقصود إليه ، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك : * ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) * أي يؤاخذكم إذا تعمدتم ، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو . المسألة الثانية : احتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على وجوب الكفارة في اليمين الغموس ، قال : إنه تعالى ذكر ههنا * ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) * وقال في آية المائدة : * ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) * وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به ، ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاد الحل ، فلما ذكر ههنا قوله : * ( بما كسبت قلوبكم ) * علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب ، وأيضاً ذكر المؤاخذة ههنا ، ولم يبين أن تلك المؤاخذة ما هي ، وبينها في آية المائدة بقوله : * ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ) * فبين أن المؤاخذة هي الكفارة ، فكل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه ، مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه ، وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط القلب ، فالكفارة واجبة فيها ، واليمين الغموس كذلك فكانت الكفارة واجبة فيها . أما قوله تعالى : * ( والله غفور رحيم ) * فقد علمت أن : الغفور ، مبالغة في ستر الذنوب ، وفي إسقاط عقوبتها ، وأما : الحليم ، فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة والسكون ، يقال : ضع الهودج على أحلم الجمال ، أي على أشدها تؤدة في السير ، ومنه الحلم لأنه يرى في حال السكون ، وحلمة الثدي ، ومعنى : الحليم ، في صفة الله : الذي لا يعجل بالعقوبة ، بل يؤخر عقوبة الكفار والفجار .