فخر الدين الرازي

78

تفسير الرازي

فيضمر لفظة : من ، لا يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته ، والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ الحرث على المرأة على سبيل المجاز ، حتى لا يلزمنا هذا الإضمار لأن نقول : بل هذا أولى ، لأن الأصل في الإبضاع الحرمة . وأما الثالث : فجوابه : أن قوله : * ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) * ( المؤمنون : 6 ) عام ، ودلائلنا خاصة ، والخاص مقدم على العام . وأما الرابع : فجوابه : أن قوله : دبرك على حرام ، إنما صلح أن يكون كناية عن الطلاق ، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة ، فصار ذلك كقوله : يدك طالق ، والله أعلم . المسألة الرابعة : اختلف المفسرون في تفسير قوله : * ( أنى شئتم ) * والمشهور ما ذكرناه أنه يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها ، ومن دبرها في قبلها والثاني : أن المعنى : أي وقت شئتم من أوقات الحل : يعنى إذا لم تكن أجنبية ، أو محرمة ، أو صائمة ، أو حائضاً والثالث : أنه يجوز للرجل أن ينكحها قائمة أو باركة ، أو مضطجعة ، بعد أن يكون في الفرج الرابع : قال ابن عباس : المعنى إن شاء ، وإن شاء لم يعزل ، وهو منقول عن سعيد بن المسيب الخامس : متى شئتم من ليل أو نهار . فإن قيل : فما المختار من هذه الأقاويل ؟ . قلنا : قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون : من أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل الله تعالى هذا لتكذيب قولهم ، فكان الأولى حمل اللفظ عليه ، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب ، لأن * ( أنى ) * يكون بمعنى * ( متى ) * ويكون بمعنى * ( كيف ) * وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت * ( أنى ) * لأن حال الجماع لا يختلف بذلك ، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا . أما قوله : * ( وقدموا لأنفسكم ) * فمعناه : افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره : قدم لنفسك عملاً صالحاً ، وهو كقوله : * ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) * ( البقرة : 197 ) ونظير لفظ التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله : * ( قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ) * ( ص : 60 ) . فإن قيل : كيف تعلق هذا الكلام بما قبله ؟ . قلنا : نقل عن ابن عباس أنه قال : معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد ، والذي عندي فيه أن قوله : * ( نساؤكم حرث لكم ) * جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء ، كأنه قيل : هؤلاء