فخر الدين الرازي
79
تفسير الرازي
النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده : * ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) * أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث ، فأتوا حرثكم ، ولا تأتوا غير موضع الحرث ، فكان قوله : * ( فأتوا حرثكم ) * دليلاً على الإذن في ذلك الموضع ، والمنع من غير ذلك الموضع ، فلما اشتملت الآية عل الإذن في أحد الموضعين ، والمنع عن الموضع الآخر ، لا جرم قال : * ( وقدموا لأنفسكم ) * أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : * ( واتقوا الله ) * ثم أكده ثالثاً بقوله : * ( واعلموا أنكم ملاقوه ) * وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى ، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال على تحريم هذا العمل ، وما بعدها أيضاً دال على تحريمه ، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين . أما قوله تعالى : * ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) * فاعلم أن الكلام في التقوى قد تقدم ، والكلام في تفسير لقاء الله تعالى قد تقدم في قوله : * ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) * ( البقرة : 46 ) واعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة أولها : * ( وقدموا لأنفسكم ) * والمراد منه فعل الطاعات وثانيها : قوله : * ( واتقوا الله ) * والمراد منه ترك المحظورات وثالثها : قوله : * ( واعلموا أنكم ملاقوه ) * وفيه إشارة إلى أنى إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب ، فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثاً وما أحسن هذا الترتيب ، ثم قال : * ( وبشر المؤمنين ) * والمراد منه رعاية الترتيب المعتبر في القرآن وهو أن يجعل مع كل وعيد وعداً والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهم كالمعلوم ، فصار كقوله : * ( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ) * ( الأحزاب : 47 ) . الحكم التاسع في الأيمان * ( وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لاَِيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ