فخر الدين الرازي
77
تفسير الرازي
في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد ، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان ، واللفظ اللائق به أن يقال : اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور ههنا لفظة : كيف ، بل لفظة * ( أنى ) * ويثبت أن لفظة * ( أنى ) * مشعرة بالتخيير بين الأمكنة ، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ذكرناه . الحجة الثانية : لهم : التمسك بعموم قوله تعالى : * ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) * ( المؤمنون : 6 ) ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع ، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق النسوان . الحجة الثالثة : توافقنا على أنه لو قال للمرأة : دبرك على حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقاً ، وهذا يقتضي كون دبرها حلالاً له ، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب . أجاب الأولون فقالوا : الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه الأول : أن الحرث اسم لموضع الحراثة ، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعاً للحراثة ، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة ، ويقتضي هذا الدليل أن لا يطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله : * ( نساؤكم حرث لكم ) * لأن الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة ، فحملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه ، وهذه الصورة مفقودة في قوله : * ( فأتوا حرثكم ) * فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة على التعيين ، فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتى . الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكروه لما بينا أن ما قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين أحدهما : قوله : * ( قل هو أذى ) * ( البقرة : 222 ) والثاني : قوله : * ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) * فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعاً بين ما يدل على التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد ، والأصل أنه لا يجوز . الوجه الثالث : الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في أنه هل يجوز إتيانها من دبرها في قبلها ، وسبب نزول الآية لا يكون خارجاً عن الآية فوجب كون الآية متناولة لهذه الصورة ، ومتى حملناها على هذه الصورة لم يكن بنا حاجة إلى حملها على الصورة الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد من الآية ليس ما ذكروه ، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي تمسكوا بها على التفصيل . أما الوجه الأول : فقد بينا أن قوله : * ( فأتوا حرثكم ) * معناه : فأتوه موضع الحرث . وأما الثاني : فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله : * ( فأتوا حرثكم ) * ذلك الموضع المعين لم يكن حمل * ( أنى شئتم ) * على التخيير في مكان ، وعند هذا يضمر فيه زيادة ، وهي أن يكون المراد من * ( أنى شئتم ) *