فخر الدين الرازي

36

تفسير الرازي

صدوا عن المسجد الحرام الطائفين والعاكفين والركع السجود . وأما قوله تعالى : * ( وإخراج أهله منه ) * فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد ، بل من مكة ، وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى : * ( وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق به وأهلها ) * ( الفتح : 26 ) وقال تعالى : * ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ) * ( الأنفال : 34 ) فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر ، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام ، وهذا تفريع على قول الزجاج ، وإنما قلنا : إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين : أحدهما : أن كل واحد من هذه الأشياء كفر ، والكفر أعظم من القتال والثاني : أنا ندعي أن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو القتال الذي صدر عن عبد الله بن جحش ، وهو ما كان قاطعاً بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام ، وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام ، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر . أما قوله تعالى : * ( والفتنة أكبر من القتل ) * فقد ذكروا في الفتنة قولين أحدهما : هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، وهو عندي ضعيف ، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك ، فإنه تعالى قال : * ( وكفر به أكبر ) * فحمل الفتنة على الفكر يكون تكراراً ، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء . والقول الثاني : أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم ، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم ، وتارة بالتعذيب ، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر ، وهذا قول محمد بن إسحاق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان ، يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه ، ومنه قوله تعالى : * ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) * ( التغابن : 15 ) أي امتحان لكم لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده ، فصار ذلك مانعاً له عن الإنفاق ، وقال تعالى : * ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) * ( العنكبوت : 1 ، 2 ) أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، وقال : * ( وفتناك فتوناً ) * ( طه : 40 ) وإنما هو الامتحان بالبلوى ، وقال : * ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) * ( العنكبوت : 10 ) والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال : * ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ) * ( البروج : 10 ) والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم ، وقال : * ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم